مولي محمد صالح المازندراني

66

شرح أصول الكافي

تهملوا شيئاً من دقائق التواضع له كما وجب عليكم ذلك لأبيكم الجسماني بل ينبغي أن يكون التواضع له أبلغ وأكمل لأنّ النسبة بينهما مثل النسبة بين الروح والبدن ، ولذلك قال بعض الحكماء : حقّ المعلّم الربّاني والمربّي الروحاني على المتعلّم أعظم وأوْلى من حقّ أبيه الجسماني ، وقال بعض الأكابر : العلماء أرحم باُمّة محمّد ( صلى الله عليه وآله ) من آبائهم واُمّهاتهم ، قيل : فكيف ذلك ؟ قال : لأنّ آباءهم واُمّهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا والعلماء يحفظونهم من نار الآخرة ( 1 ) وقيل لإسكندر : ما بالك تحبّ معلّمك أكثر ممّا تحبّ أبيك ؟ فقال : لأنّ معلّمي سبب حياتي الروحانيّة الاُخروية ، وأبي وسيلة حياتي الجسمانية الدنيوية . وأيضاً الغرض من هبوط النفس إلى هذا العالم هو استكمالها بالعلوم الإلهيّة واكتسابها للمعارف اليقينيّة الموجبة للقرب من الحضرة الربوبيّة والطيران إليه بأجنحة الكمال والجلوس على بساط العزّة والجلال وذلك الغرض لا تتحصّل بدون التعليم والتعلّم المتوقّفين على الاجتماع والتودّد والتآلف والتعطّف ، وهذه الاُمور لا يتحصّل بدون التواضع من المعلّم والمتعلّم ، ولو وقع الطيش والخشونة وضدّ التواضع لبطلت الاُلفة ووقعت الفرقة وفات الغرض ، فلذلك أمر ( عليه السلام ) كلّ واحد منهما بالتواضع لصاحبه حملاً لهما على ما يعين في تحصيل ذلك الغرض ومنعاً لهما عمّا يوجب فواته ، ثمّ نهاهما عن التكبّر والتجبّر عموماً بالنسبة إلى جميع الخلائق بقوله : ( ولا تكونوا علماء جبّارين ) فيه مبالغة للنهي لا نهي للمبالغة ، فلا يرد أن ليس فيه نهي عن التجبّر رأساً : ( فيذهب ) منصوب بتقدير « أن » أي يذهب : ( باطلكم ) أي تجبّركم ، سمّاه باطلاً ; لأنّه من الصفات المختصّة بالله تعالى ، فهو حقّ له وباطل في غيره ممّن ادّعاه لنفسه . ( بحقّكم ) الباء للتعدية ، وحقوق العالم كثيرة تعجز عن الإحاطة بها قلوب العارفين ، وعن بيان

--> 1 - وجود النوع الإنساني من غير أن يكون فيهم علماء ربّانيّون يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويردعهم عن الشهوات ويمنعهم من الظلم والعدوان على أبناء نوعهم شرّ ليس بخير ; لأنّ الإنسان إذا خلّي وطباعه وفيه الشهوات العظيمة والآمال الطويلة والقدرة على اُمور يعجز عنها سائر الحيوانات أضرّ من السباع الضارية ; لأنّ الذئب والأسد مثلاً لهما شهوة محدودة وللإنسان شهوة السباع مع شهوة جمع الأموال والرياسة والجاه والمساكن والتجمّلات ، وله أن يخترع آلات مخوفة في الحرب والسموم القتّالة وله آمال في نفسه وأولاده وأهله في حياته وبعد وفاته ولا محيص لهذا النوع عمّن يهديهم إلى الحقّ ويمنعهم من الباطل ، ولو لم يكن فيهم ذلك كانوا كالأنعام بل هم أضلّ ، وقد منع الشرع عن المقام في بلد ليس فيه عالم روحاني يؤخذ منه الدين . ( ش )